الجصاص
407
أحكام القرآن
فقال : ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق ؟ " وليس في فعله ذلك دلالة على أنه رأى دخولها بغير إذن محظورا ، ولكنه احتاط لنفسه ، وذلك مباح لكل أحد . باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات قال الله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) . قال أبو بكر : معقول من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه ، فحذف ذكر ذلك اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد ، وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو وفر منها فلا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية " . وروى الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابن آدم لك أول نظرة وإياك والثانية " . وروى أبو زرعة عن جرير : " أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري " . قال أبو بكر : " إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله : " لك النظرة الأولى " إذا لم تكن عن قصد ، فأما إذا كانت عن قصد فهي والثانية سواء ، وهو على ما سأل عنه جرير من نظرة الفجاءة ، وهو مثل قوله : ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا [ الإسراء : 36 ] . وقوله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هو على معنى ما نهي الرجال عنه من النظر إلى ما حرم عليه النظر إليه . وقوله تعالى : ( ويحفظوا فروجهم ) وقوله : ( ويحفظن فروجهن ) فإنه روي عن أبي العالية أنه قال : كل آية في القرآن : " يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن " من الزنا ، إلا التي في النور : ( يحفظوا فروجهم ) ( ويحفظن فروجهن ) أن لا ينظر إليها أحد . قال أبو بكر : هذا تخصيص بلا دلالة ، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر ، وكذلك سائر الآي المذكورة في هذا الموضع في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم الدلالة على أن المراد بعض ذلك دون بعض ، وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في إيجاب التخصيص في النظر لما تقدم من الأمر بغض البصر ، وما ذكره لا يوجب ذلك لأنه لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة ، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا محالة إن اللمس والوطء مرادان بالآية إذ هما أغلظ من النظر ، فلو نص الله على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء واللمس كما أن قوله : ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) [ الإسراء : 23 ] قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب .